الشيخ محمد رشيد رضا
628
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
فقد جهل معنى الجملة الحالية الفارق بينها وبين الحال المفردة كما بينه الامام عبد القاهر في دلائل الاعجاز ، والآية نص في أنه تعالى لم يسمعهم أي لم يوفقهم للسماع النافع لان الباعث عليه هو ما في الفطرة من نور الحق المحبب للنفس في الخير ، وقد فقدوا ذلك بافسادهم لفطرتهم ، واطفائهم لنور الاستعداد للحق والخير الذي يذكيه سماع الحكمة والموعظة الحسنة ، فصاروا ممن وصفهم في سورة المطففين المكية بقوله ( 83 : 14 كَلَّا بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ ) وقوله في سورة البقرة ( 2 : 81 بَلى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ ) ووصفهم فيها بقوله ( 18 صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ ) وضرب المثل لسماعهم بقوله في الآية الأخرى منها ( 2 : 171 وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِما لا يَسْمَعُ إِلَّا دُعاءً وَنِداءً ، صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ ) يعني أنهم كسارحة النعم تسمع صراخ الناعق فترفع رءوسها ولكنها لا تفهم له معنى فإذا سكت عادت إلى رعيها كما قال ابن دريد في مقصورته : نحن ولا كفران للّه كما * قد قيل في السارب أخلى فارتعى إذا أحس نبأة ريع وإن * تطامنت عنه تمادى ولها وفي الآيتين 42 و 43 من سورة يونس ( 10 ) إيئاس النبي صلّى اللّه عليه وسلّم من أسماع هؤلاء الصم وهداية هؤلاء العمي وقفى على ذلك بقوله تعالى ( 44 إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئاً وَلكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ) فأمثال هذه الآيات تحثو التراب في في من يزعم أن الآية تدل على الجبر وعدم اختيار العبد في كفره وإيمانه ، كما انها تسجل الجهل باللغة على من يزعم أن فيها إشكالا في النظم بجواز تقدير : ولو أسمعهم لعلمه بأن فيهم خيرا لتولوا وهم معرضون عن الايمان والهدى ، ونقول إن تقديره هذا هو الباطل لأنه نقيض ما أفادته « لو » من أنه علم أنه لا خير فيهم فهو لا ينتج إلا باطلا ، وعفا اللّه عمن صوروا هذا الاشكال الوهمي بالاصطلاح المنطقي الفلسفي وأطالوا في الرد عليه من تلك الطرق الاصطلاحية الشاغلة عن كتاب اللّه تعالى ألم يك خيرا لهم من هذه الحذلقة اللفظية الصارفة عن القرآن توجيه قلب سامعه لمحاسبة نفسه على هذا السماع ودرجة حظه منه ؟ فان للسماع درجات باعتبار ما يطالبه اللّه تعالى به من الاهتداء بكتابه : أسفلها أن يتعمد من يتلى عليه القرآن أن لا يسمعه